Download WordPress Themes, Happy Birthday Wishes
مقالات
أخر الأخبار

اسماعيل السعيد يكتب: دروس وعبر covid

يواجة إلعالم أجمع تحدياً من نوع جديد ضد فيروس قاتل ينتشر في العالم بسرعة فائقة ، فيصيب الآلاف ويقتل المئات كل يوم ، غير مفُرق بين دول غنية وفقيرة ، أو بين عالم أول وثالث.

خلال فترة قصيرة ، أجبر فيروس كورونا عشرات الدول على غلق حدودها ، وحظر تجوال مواطنيها ، وإعادة تقييم أولوياتها الداخلية والخارجية.
وهو ما يطرح أسئلة كثيرة بشأن تبعات ما يحدث على البلدان المختلفة والعالم ، هل نحن أمام لحظة تاريخية فارقة ؟، أم إننا أمام فيروس سرعان ما ينحسر انتشاره وتبعاته ؟
وما الذي يمكن أن نتعلمه من التجربة الراهنة ؟ ..
ولعل الإجابة عن السؤال الأخير تكمن في ثلاث ملاحظات أساسية .
أولا: نحن أمام أزمة صحية بامتياز .
الأزمة الراهنة ناجمة عن انتشار فيروس جديد بدأ في الصين في أواخر العام الماضي ، لينتشر حول العالم خلال حوالي أربعة شهور تاركاً آلاف القتلى ومئات آلألاف من المصابين . وسرعة انتشار الفيروس وشراسته في مهاجمة ضحاياه ، خصوصاً كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة ، وضع ضغطاً هائلاً على الأنظمة الصحية في مختلف الدول ، نظرا إلى ما يتطلبه من أدوات تعقيم وأجهزة تنفس وغرف عناية مركزية ، وأطقم طبية ضخمة ومجهزة .
كشف الفيروس ضعف استعداد بعض الدول كنا نظنها كبيرة ، بما في ذلك أميركا نفسها ، في ما يتعلق بتجهيزات الطواريء والاستعداد لجائحة كبرى ككورونا .
هذا لا يعني أن الفيروس صحي محض ، بلا له روابط بيئية أو اقتصادية ، فالواضح أنه يرتبط ” بالعلاقة بين الإنسان وبيئته ونمط استهلاكه ومدى استنزافه موارده الطبيعية” ، ولكنه يختلف عن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تشغل العالم باستمرار ، فعلى الرغم من الاهتمام الذي أولته الدول الكبرى خلال السنوات الأخيرة بقضايا المناخ تحت ضغط المنظمات البيئة ، إلا أن قضايا البيئة لم تتحول بعد إلى أزمة دولية كأزمة فيروس كورونا .
ولأول مرة تتوقف الحياة في العالم كله تقريبا لأسباب صحية بالأساس .
وهذا يعني أن الأزمة الراهنة غير مسبوقة ، ومن شأنها أن تفرض وعيا دوليا جديدا بقضايا الصحة ، وكيف أنها أولوية لاستمرار الاقتصاد (الشاغل الأكبر للنخب الدولية) .

الأزمة الحالية لها دروس وعبر لا يجب ان تمر علينا مرور الكرام ..

– درس كورونا الأول يقول :” إن على دول العالم المختلفة زيادة ميزانياتها واستعداداتها الصحية والعلمية كضمانة أساسية للحفاظ على اقتصادها وأمنها واستقرارها” .

– ثانيا : “أثبتت الأزمة ان العالم في حاجة لمؤسسات دولية قوية تتمتع بالكفاءة والشفافية” ..
عندما ظهر الفيروس في الصين في أواخر العام الماضي ، لم تتعامل حكومة الصين معه بشفافية خلال اسابيعه الأولى من إنتشاره ، وقمعت بل وسجنت الأصوات القليلة الداخلية التي حاولت التحذير من خطورتة ، وربما أضاعت على نفسها وعلى العالم فرصة القضاء على الفيروس في مدينة ووهان ، مكان ظهوره ، والحيلولة دون انتشاره خارج المدينة والصين .
وللأسف ، وقعت دول مختلفة ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ، في أخطاء سياسية واضحة في التعامل مع الأزمة ، حيث حاولت حكومات مختلفة التقليل من خطر الفيروس ، حتى لا تتوقف عجلة الاقتصاد ، وظهر ضعف التنسيق بين الحكومة المركزية والولايات في بلد كأميركا ، وغياب استراتيجيات التعامل مع الطوارئ الصحية في مختلف الدول الغربية ، وضعف الاستجابة العلمية للأزمة ، كما هو الحال في بلد كبريطانيا التي تبنت استراتيجية أولية في مواجهة الفيروس ، سمتها “مناعة القطيع” ، وتراجعت عنها سريعا بعد أن حذرت دراسة لجامعة بريطانية من خطورة الاستراتيجية ، وأنها قد تؤدي لوفاة قرابة نصف مليون بريطاني .
على صعيد آخر ، أعادت الأزمة المؤسسات الحكومية المركزية (الدولة) إلى الواجهة وبؤرة الاهتمام السياسية ، فقد تخطى حجم الكارثة الصحية ، وكذا سرعة انتشار الفيروس ، قدرة ألمؤسسات ألاهلية أو الدولية ، ودفعا الشعوب إلى النظر نحو حكوماتها المركزية لقيادتها للخروج من الأزمة .
بحث الناس عمن يغلق الحدود ويوقف الطيران ويفرض حظر التجوال ليوفر الرعاية الصحية لآلاف المرضى والعقاقير القادرة على علاجه ، وكلها مهام أعادت الدولة أو الحكومات المركزية إلى الواجهة ، وجعلت الشعوب تنصت باهتمام للمؤتمرات الإعلامية التي يعقدها مسؤولوها ، وخفضت أيضا من حدّة الخلافات السياسية ، وأجلت كثير منها .
ولعل الأزمة تذُكر الجميع بدرس ثان مهم ، وهو أهمية الحياة في دولةٍ تتمتع حكومتها بقدر كبير من الكفاءة والشفافية ، فدور الحكومة المركزية على قدر كبير من الأهمية ، ويصعب الاستغناء عنه أو تخطيه في الشدة أو الرخاء .
ولكن الحكومات ليست سواء ، منها التي لا تتمتع بالشفافية ولا بالكفاءة ، وبالتالي تعرّض حياة شعوبها للخطر ، ولو ادّعت غير ذلك ، واحتفلت فترة بعقد المؤتمرات الإعلامية والتفاف الناس حولها .
بعد الأزمة ، سوف تقيم الشعوب المختلفة طبيعة استجابة حكوماتها لها ولن تنسى المُقصّرين .

– ثالثا: أزمة فيروس كورونا دولية بامتياز ، بدأت في دولة واحدة ، وانتشرت في بقية دول العالم في أقل من أربعة أشهر ، كاشفة حجم التواصل والاعتماد المتبادل بين الدول ، خصوصا على الصعيد الاقتصادي ، فعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة ، أدت العولمة الاقتصادية إلى نقل مصانع كثيرة خارج الدول الغربية ، نحو دول جنوب شرق آسيا ، حيث العمالة الرخيصة ، حتى باتت مصنع العالم .
وأظهرت الأزمة مدى تأثر الشركات الغربية بتوقف خطوط إنتاجها الموجودة في الصين ودول جنوب شرق آسيا ، ومدى انكشاف المجتمعات الغربية نفسها للأزمات الكبرى ، وكيف أنها سوف تعجز عن إنتاج كثير من احتياجاتها الأساسية في حالة الأزمات الكبرى والطارئة . وهنا تجب الإشارة إلى أن الدول الأوروبية الأكثر معاناة من الفيروس لم تتوجه إلى أميركا لطلب المساعدة في توفير أجهزة التنفس الصناعية والملابس الوقائية ، بل توجهت إلى الصين ، لأن أميركا نفسها تعاني من نقص تلك المواد وغيرها من العقاقير الطبية الضرورية وتبحث عمن يزودها بها . ولذا تعالت أصوات غربية مطالبة بتقليل الاعتماد على الدول الأجنبية في توفير السلع الأساسية ، وبإعادة افتتاح مصانع داخلية توفر تلك السلع . وهنا يتبقى معضلة أساسية ، وهو أنه لا توجد دولة قادرة على الاعتماد الكلي على نفسها والاستغناء عن الآخرين ، كما أن تركيز المصانع داخليا قد يجعلها أكثر عرضةً للأزمات بدلا من نشرها في العالم ، فإذا تعرّضت دولة لأزمة ما استطاعت دول أخرى مساعدتها . وهذا يعني أن تركيز الموارد والإمكانات في دول قليلة يعرضها أكثر للخطر .
ويقول درس كورونا الثالث إن توزيع الموارد والإمكانات الاقتصادية على أكبر عدد من الدول يحمي العالم أكثر .
ومن الواضح أن الظروف الدولية الراهنة لا تقود في اتجاه التعلم من الدروس الثلاثة السابقة ، لأن العالم يسير بوضوح أخيرا نحو الانشغال بالاقتصاد عن الصحة ، وبالاستبداد عن الديمقراطية وما تفترضه من كفاءة وشفافية ، وبتراكم الثروة داخليا والحروب الاقتصادية عن بناء التحالفات وتوزيع الموارد والثروة وبناء عالم أكثر تعاضداً .
وهذا يعني أن نخباً كثيرة لن تتعلم دروس كورونا ، وستصر على تجاهلها ، فالصين تحاول حالياً التغطية على أخطائها الأولية من خلال حملات دعائية تركز على تقديم المساعدات للدول المتضررة .
وأميركا تعاني بشكل غير مسبوق من تردّي قيادتها السياسية والانكفاء على نفسها ، والحكومات اليمينية والاستبدادية في صعود . ويبقى الأمل في أن تبث الأزمة وما نجم عنها من معاناة وعيا جديدا وسط الشعوب بمدى تضحياتها وبحاجتها للعلم والأطباء ، والإنفاق على الصحة والبحث العلمي وخصوصا في الدول العربية ،
وعلى الحكومات أن تتمتع بالكفاءة والشفافية ونظام دولي أكثر تعاونا وأقل تركيزا لمصادر الثروة والقوة ، وليس العكس .

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق